يمكن تعريف البرزخ في
الإسلام بأنه الحياة المرحلية بين
الموت و
يوم القيامة. كلمة البرزخ تعني لغوياً الحاجز الفاصل بين
شيئين كما ذُكرت في
القرءان الكريم في
سورة
الفرقان
الآية ٥٣ حيث يقول
الله تعالى:
وَهُوَ
الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا
مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا
بَرْزَخًا
وَحِجْرًا مَّحْجُورًا
أو في
سورة
الرحمان
الآية
١٩-٢٠ حيث يقول
الله تعالى:
مَرَجَ
الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا
بَرْزَخٌ
لّا يَبْغِيَانِ
الموضع الوحيد في القرءان الكريم الذي ذُكرت
فيه كلمة البرزخ بمعناها الأُخروي كفاصل بين الموت و يوم القيامة
كان في سورة "المؤمنون" الآية ٩٩-١٠٠ حيث يقول الله سبحانه و
تعالى:
حَتَّى إِذَا
جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي
أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ
هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم
بَرْزَخٌ
إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
و هنا يبدو واضحاً أن المقصود بالبرزخ هو حياة
بعد الموت يتمنى فيها البعض العودة إلى الأرض ليصلحوا ما أفسدوا
من أعمالهم ندماً على ما فعلوا دون أن يسمح لهم بذلك. حسب الشهيد
آية الله مرتضى مُطهري فإن القرءان الكريم يحتوي على ١٥
آية
تعرض بصورة أو بأُخرى حياة بين
الموت و
يوم القيامة بما تحتويه كلمة الحياة من المعنى لبشري حيث
يقسم تلك
الآيات إلى
ما يلي:
القسم الأول:
الآيات التي تحتوي على محادثات كلامية بين الناس الأبرار
الدين رضي
الله عنهم أو
الملائكة من جانب و الناس الذين سخط الله عليهم بسبب أعمالهم
من جانب آخر و ذلك كله بعد
الموت مباشرةً كما في
سورة
"المؤمنون" المذكورة أعلاه أو في
سورة
النساء الآية ٩٧ حيث يقول
الله عز و جل:
إِنَّ
الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ
قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي
الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً
فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا
القسم الثاني: الآيات التي تعرض كيف
تستقبل
الملائكة الناس الأبرار بعد
الموت بكل حفاوة و تكريم و تبشهم بما ينتظرهم من ثواب عظيم و
يوفروا عليهم بذلك الانتظار إلى
يوم القيامة كما في
سورة
النحل
الآية ٣٢:ا
الَّذِينَ
تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ
عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
أو كما في
سورة
يس
الآية ٢٦-٢٧:
قِيلَ ادْخُلِ
الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ
لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ
في
سورة
يس يبدو جلياً كيف أن أحد
المؤمنين الذين صدقوا
الرسول و اتبعوه دعا قومه لاتباعه و تصديقه. فحوى الآيات
الآيات المذكورة أعلاه يُظهر أن هذا
الإنسان البار مات دون أن يلبي قومه نداءه حيث أنه فرح بما
حصل عليه من مقام عظيم عند
الله سبحانه و تعالى و
غفران بعد الموت و كيف يتمنى لو أن قومه الذين ما زالوا على
قيد الحياة، بعكسه هو، يرون ما هو فيه من نعيم. و كل ذلك يحصل
ظاهراً قبل
يوم القيامة.
القسم الثالث:
آيات لا تحتوي على حوار بين
الناس أو
الملائكة و إنما تتكلم مباشرة إما عن حياة الأبرار و ما
ينعمون فيه من نعيم و سعادة أو عن حياة
الناس الذين لم يرض
الله سبحانه و تعالى عنهم و ما يعيشون فيه من بؤس و شقاء في
البرزخ. مثال على ذلك
الآيتين ١٦٩-١٧٠ من
سورة
آل عمران حيث يقول
الله عز و جل:
وَلاَ
تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا
بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
* فَرِحِينَ بِمَا
آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ
لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ
عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ
أو في
سورة
غافر
الآية ٤٥-٤٦:
فَوَقَاهُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ
فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
الحياة في البرزخ تشكل صورة عن أعمال
الإنسان
و أفعاله في الحياة الدنيا قهو يعيش حياة سعيد أو حياة بائسة حسب ما كان عليه من
حال. و لكن المعاناة في البرزخ لخفف أو حتى أنها تحرر
الإنسان
من عقاب
يوم القيامة
الذي هو أعظم هولاً.
ما كان يقوم به
عيسى (ع) من إحياء الموتى لم يكن إلا إرجاع المتوفي من حياة
البرزخ.
في معركة
بدر قُتل عدة من زعماء
قريش. و لما وُضعوا في الحفرة التي حُفرت لهم لدفنهم تقدم
نحوهم
النبي محمد (ص) و قال:
"يا أبا جهل ! يا عتبة ! يا شيبة ! يا أمية! هل
وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً؟) فقال
عمر: يا رسول الله أما تكلم من أجساد لا أرواح فيها؟ فقال:
(والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا
يستطيعون جواباً." مثل تلك الروايات و غيرها
تدل على أن الروح لا تفارق جسد الميت بشكل كامل و إن صار الجسد
جثة هامدة.
روايات كثيرة من
الإمام علي (ع) و من
الأئمة الاثني عشر تنوه إلى
حياة البرزخ و ما ينعم فيه
المؤمنون فيها و ما يرزخ تحته المفسدون من شقاء.
عن
الإمام علي (ع): "يا
بن نباتة لو كشف لكم لرأيتم أرواح المؤمنين في الظهر (النجف)
حلقاً يتزاورون ويتحدثون إن في هذا الظهر روح كل مؤمن وبوادي
برهوت نسمة كل كافر ووادي برهوت مكان يعرف به تجمع الكافرين
ولأرواح الكفار عذاب خاص"
عن
الإمام جعفر الصادق (ع):(أرواح
المؤمنين في حجرات في الجنة يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها
ويتزاورون فيها ويقولون: ربنا أقم لنا الساعة لتنجز ما
وعدتنا...).
وعنه أيضا ً (ع):
(إن أرواح الكفار في نار جهنم يعرضون عليها يقولون ربنا لا تقم
لنا الساعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا ولا تلق آخرنا بأولنا..)